تحذير من «هلوسة» محتملة لنماذج AI : الخطر المتصاعد على حقيقة المعلومات

مشهد عرضي واقعي يظهر جهاز كمبيوتر حديث أو سيرفر مع واجهة رقمية تعرض بيانات مشوشة ومتضاربة، مع رمز للذكاء الاصطناعي مضاء بتأثير أزرق، وخلفية شاشة تحتوي موجات معلومات ضبابية تمثل التضليل، في مكتب حديث مع تأثيرات ضوئية طبيعية توحي بالخطر واليقظة، ألوان هادئة ولمسات ضوء قوية، أسلوب رقمي عالي الواقعية.

تنتشر اليوم مخرجات الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة في الأخبار، البحث العلمي، والقرارات المؤسسية. لكنّ ظاهرة «الهلوسة» (hallucination) أي توليد معلومات خاطئة أو ملفقة بصيغة مقنعة أصبحت تهدّد ثقة الجمهور في المحتوى الآلي، وتطرح مخاطر حقيقية على الصحافة، البحث العلمي، والعملية القانونية. هذا المقال يستعرض أسباب المشكلة، أمثلة واقعية، أثرها، وكيفية كشفها والحد منها مع توصيات عملية للمؤسسات والمستخدمين.

تعريف «الهلوسة» في نماذج الذكاء الاصطناعي

الهلوسة في سياق الذكاء الاصطناعي تعني أن يولّد النموذج بيانات أو حقائق غير صحيحة، مراجع أو اقتباسات ملفقة، أو حتى أحداثًا لم تحدث بُنيَت بطريقة تبدو موثوقة وواثقة. هذه المشكلة مختلفة عن الانحياز؛ فهي تتعلق بأصلية المعلومة وصحتها، وليس فقط بكيفية تمثيل فئات أو مجموعات. كما تُعد الهلوسة واحدة من أكثر التحديات التي تعيق اعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، خصوصًا في المجالات التي تتطلب دقة عالية مثل التعليم والصحة والقانون. وتشير دراسات حديثة إلى أن الهلوسة قد ترتفع نسبتها مع زيادة تعقيد النماذج وتعريضها لبيانات مختلطة الجودة. ويحذر الخبراء من أن هذه الظاهرة قد تتفاقم مع انتشار النماذج الصغيرة المخصّصة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة. كما أن بعض الشركات بدأت بالفعل في تطوير أنظمة رقابية إضافية للحد من أخطاء المحتوى وتتبّع مصادر البيانات لتقليل احتمالية وقوع الهلوسة.

لماذا تهلوس النماذج؟ الأسباب التقنية والسياقية

1. طريقة التدريب والتحفيز على الإجابة

نماذج اللغة الكبيرة تتعلم توقع الكلمة التالية ضمن سياق نصي: التدرب على إكمال الأنماط يجعلها «تخمن» أفضل إجابة متوافقة لغويًا، لكن لا يضمن أن تكون الإجابة صحيحة أو مبنية على مصدر موثوق؛ النماذج غالبًا ما تفضّل توليد استجابة مقنعة على الاعتراف بعدم المعرفة. أحدث أبحاث توضح أن هذا السلوك ناتج عن إجراءات التدريب والتقييم الحالية التي تكافئ الإجابة الآمنة عن الاعتراف بالجهل. كما أن طبيعة البيانات المستخدمة في التدريب، خصوصًا إذا كانت مختلطة الجودة أو تحتوي على معلومات غير دقيقة، تزيد من احتمالية ظهور هلوسة في المخرجات النهائية. ويشير خبراء الذكاء الاصطناعي إلى أن اعتماد تقنيات التعلم المعزز مع التغذية الراجعة البشرية (RLHF) قد يقلل من الهلوسة لكنه لا يلغيها تمامًا. أيضًا، النماذج قد تتأثر بالسياق اللغوي والثقافي، مما يؤدي أحيانًا إلى توليد إجابات تبدو صحيحة لكنها غير دقيقة بالنسبة للمستخدمين من ثقافات أو لغات مختلفة. وأخيرًا، التدريب على بيانات مختلطة المصادر يجعل النماذج تميل إلى التوليد المقنع على حساب الدقة، وهو تحدٍ مستمر للمطورين.

2. مشكلات الاسترجاع (Retrieval) والربط بالمصادر

عندما يعتمد النظام على قواعد بيانات خارجية أو محركات بحث داخلية، فإن خللاً في آلية الاسترجاع قد يدفع النموذج لابتداع مراجع أو روابط تبدو حقيقية لكنّها غير موجودة فعلاً. هذا شائع في بيئات البحث العلمي والطبية حيث أبلغت دراسات عن مراجع ملفقة أو DOIs وهمية. بالإضافة إلى ذلك، ضعف الربط بين المعلومة المصدرية والسياق الذي يُطرح فيه السؤال يزيد من احتمال توليد معلومات مختلقة. النماذج التي لا تمتلك آلية تحقق داخلي قد تكرر نفس الهلوسة بشكل متسلسل عبر مخرجات متعددة، مما يزيد الخطر على المستخدم النهائي. كما أن الاعتماد على محركات خارجية غير موثوقة أو بيانات غير محدثة يضاعف احتمالية التناقضات والأخطاء في المعلومات المسترجعة.

3. الضبط الدقيق (Fine-tuning) والأهداف المتضاربة

بعض التطبيقات تُعدّل النماذج لزيادة الإقناع أو تحقيق أهداف تجارية (مثل طول الاستجابة أو أسلوب معين) ما قد يرفع معدل الهلوسة لأن النموذج يتعرض لضغط لإنتاج محتوى جذاب حتى لو لم يكن دقيقًا. الضبط الدقيق أحيانًا يجعل النموذج يتعلم تفضيلات معينة على حساب المصداقية، ما يؤدي إلى تضارب بين الجاذبية والدقة. النماذج المُعدلة تجاريًا قد تولّد معلومات خاطئة بشكل مقنع لتلبية توقعات المستخدمين، خصوصًا في التطبيقات الإعلامية أو التسويقية. ومن الضروري مراقبة أداء النماذج بعد كل عملية ضبط دقيق للتأكد من أن الهلوسة لا تتفاقم، خاصة عند التعامل مع بيانات حساسة أو قرارات مهمة.

أمثلة وحوادث واقعية تُظهر الخطر

حالات متعددة أظهرت كيف تخطئ النماذج بشكل خطير: من نماذج أنتجت اتهامات ملفقة بحق شخصيات عامة، إلى مراجع علمية غير موجودة استُخدمت في تقارير أو قضايا قانونية. حادثة سحب نموذج مطوّر بعد اتهامٍ ملفق لرئيسة سياسية تُعدّ مثالاً على كيف يمكن للهالوسة أن تتصاعد إلى أزمات سياسية وقانونية. كما توجد قواعد بيانات توثّق حالات الاعتماد القضائي أو البرلماني على محتوى مولَّد ثبت لاحقًا عدم دقته. كما أظهرت تقارير حديثة أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي أنتجت بيانات خاطئة أدت إلى فقدان شركات لفرص استثمارية أو اتخاذ قرارات مالية غير دقيقة. وفي قطاع التعليم، استخدم طلاب مخرجات AI في أبحاثهم الأكاديمية، لتُكتشف لاحقًا اقتباسات وهمية ومراجع ملفقة، مما أثار مخاوف الجامعات حول مصداقية الأعمال العلمية. أيضًا، تم توثيق حالات في الصحافة حيث تم نشر مقالات مبدئية باستخدام AI، تضمنت معلومات غير صحيحة أثرت على الرأي العام قبل تصحيحها. هذه الأمثلة تُبرز الحاجة الماسة لتطوير أدوات تحقق ومراجعة دقيقة قبل استخدام أي محتوى مولّد من نماذج الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة.

أثر الهلوسة على قطاعات حساسة

الصحافة والإعلام

المحتوى المضلّل قد ينتشر بسرعة ويصعب تصحيحه، خاصة إن نُشر بصيغة رسمية أو أرفق بمراجع مزورة. هذا يضع مسؤولية إضافية على أقسام التحرير للتحقق اليدوي من أي معلومات مستقاة من أدوات AI.

البحث العلمي والأكاديمي

الاستخدام غير الحكيم لنماذج التوليد قد يؤدي إلى إدراج مراجع غير حقيقية في مقالات أو أوراق بحثية، ما يضع مصداقية البحوث على المحك ويهدد مجمل عملية النشر العلمي. أبحاث طبية خصوصًا تتضرر عند اعتماد مخرجات غير متحَقّقة.

القطاع القانوني والحوكمة

تقديم مستندات أو شواهد مبنية على مخرجات مولّدة من AI دون تحقق قد يسبب أخطاء قضائية أو مرافعات مبنية على أدلة وهمية، كما أظهرت قواعد بيانات حالات الهلوسة القانونية.

كيف نكشف هلوسة نموذج؟ أدوات وأساليب تحقق عملية

1. التحقق من المصادر والروابط

اطلب دائمًا من النموذج المصادر — ثم تحقق من وجود هذه المراجع: DOI حقيقي، رابط يعمل، أو كتاب ذُكر فعلاً في قواعد البيانات الأكاديمية. عدم وجود مرجع قابل للتدقيق يجب أن يرفع علامة حمراء فورية.

2. استخدام أنظمة استرجاع موثوقة (Retrieval-Augmented Generation)

الربط مع محركات بحث داخلية موثوقة أو قواعد بيانات موثوقة يقلل من الهلوسة، شرط أن تكون آليات التوثيق والتلحيم (grounding) موثوقة وتعرض مصدر الاقتباس بوضوح.

3. اختبارات التثبيت (Sanity checks) وتعدد المنهجية

أجرِ تحققًا عكسيًا: اطلب من النموذج تلخيص المصدر ثم قارن التلخيص بالنص الأصلي. استخدم نماذج متعددة وقارن المخرجات؛ إن تباينت الحقائق الأساسية فليكن هناك تحقق بشري قبل النشر.

استراتيجيات تقنية لتقليل الهلوسة (بحسب أبحاث وممارسات حديثة)

  • تصميم أهداف تدريب تكافئ الصراحة: تشجيع النموذج على قول "لا أعرف" بدلاً من التخمين.
  • تحسين آليات Alignment وCalibration: ضبط ثقة النموذج بما يتناسب مع احتمالية صحة المعلومة.
  • دمج وحدات تحقق خارجية: أنظمة تحقق تلقائي تربط النتائج بمصادر موثوقة قبل عرضها للمستخدم.

نصائح عملية للمؤسسات والمحررين والمطوّرين

  • اعتمد سياسات نشر واضحة: لا تنشر مادة مستندة إلى مخرجات AI دون تحقق بشري في القضايا الحساسة.
  • درّب فرق التحرير على أدوات كشف الاقتباسات الملفقة والتحقق من DOIs والروابط.
  • استخدم نماذج مُعدلة لتقليل الإفصاح المضلّل (calibrated models) في واجهات العملاء.
  • وثّق سلسلة الأدلة (provenance) — سجلات تبين متى ومن أي مصدر استُمدت كل معلومة.
  • اعتمد آليات تراجع بسيطة (human-in-the-loop) في العمليات ذات المخاطر العالية مثل الصحة والقانون والبحث العلمي.

الأسئلة الشائعة

ما الفرق بين «تحيّز» و«هلوسة» في AI؟
التحيّز يتعلق بتمثيل غير عادل لفئات أو آراء؛ أما الهلوسة فهي اختلاق حقائق أو مصادر غير حقيقية بغض النظر عن التحيّز.

هل يمكن أن تختفي الهلوسة نهائياً؟
على الأرجح لا في المستقبل القريب — لكن يمكن تقليصها بشكل كبير عبر تحسين التدريب، الاسترجاع الموثوق، وضمان دور إنساني دائم في المخرجات الحساسة.

كيف أحمي نفسي كمستخدم عادي من الاعتماد على معلومات مولّدة خاطئة؟
تحقق من المراجع المصدّرة، استخدم مصادر متعددة، ولا تعتمد على إجابة واحدة كدليل قاطع في مسائل مهمة. اطلب دومًا دلائل أو روابط قابلة للتحقق.

إذا أعجبك التعرف على ظاهرة «هلوسة» نماذج الذكاء الاصطناعي وتداعياتها، فقد يهمك أيضًا مقالنا السابق عن النماذج الصغيرة القوية لمستقبل الذكاء الاصطناعي الذي يستعرض كيف يمكن للنماذج الخفيفة أن تقدم أداء محترماً مع كفاءة وموثوقية عالية.

رأينا في AI-Alarabi

نرى أن ظاهرة الهلوسة تشكّل واحدًا من أخطر التحديات التي تواجه تبنّي الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. الاستخدام المسؤول يتطلب أدوات تقنية أفضل — لكن الأهم هو ثقافة مؤسسية تمنح الأولوية للتحقق والنزاهة. من وجهة نظرنا، الحلّ الحقيقي يجمع بين تطوير نماذج مُعايرة، بنى تحتية استرجاعية موثوقة، وتدخّل بشري منضبط في نقاط القرار الحساسة. بدون هذا المزيج، ستبقى مصداقية المحتوى الرقمي على المحك.

الخاتمة

الهوس بـ«السرعة» و«الإقناع» في مخرجات الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يأتي على حساب الحقيقة. الهلوسة ليست مجرد خلل تقني  إنها مخاطرة اجتماعية، اقتصادية، وقانونية. للتعامل مع هذا الخطر لا يكفي تحسين النماذج فقط، بل يجب بناء منظومة متكاملة من التحقق، الشفافية، والإجراءات التنظيمية. المسؤولية تقع على عاتق مطوّري النماذج، مزوّدي المنصات، الصحافة، والمؤسسات الأكاديمية والقانونية على حد سواء.

قائمة المصادر

سعيد حسون
بواسطة : سعيد حسون
سعيد حسون، مهندس معلوماتي، باحث، ومؤسس مدونة AI ALarabi. أقدم تحليلات معمّقة وشروحات متخصصة في أدوات الذكاء الاصطناعي، التطورات المستقبلية، والمقارنات التقنية. هدفي هو تقديم محتوى موثوق وشامل للقارئ العربي.
تعليقات